ما لم يقله الأمير عن الإرهاب / د. مصطفى سالم




قراءة لكلمة أمير قطر تميم بن حمد عن الإرهاب في مؤتمر ميونيخ للأمن بألمانيا، وعلى الرغم من انها تتصف بنظرة أعمق من نظرة دول الجوار، وبشكل أكثر ذكاء لكن يجب معالجة بعض النقاط التي تجنب الأمير الحديث عنها وهو يعلم إنها الأهم .

1- ان انتاج الإرهاب "عمل مخابراتي" تم تحضيره مثل الفايروس في مختبرات المخابرات الأمريكية والغربية، أو هو ممارسة سلطوية من عسكر، او سلطة ميلشيات، أو عوائل حاكمة، وليس تعبيرا عن فكر لشعب معين أو حتى تطور في بنية جماعة معينة. إلا إن كانت مصنعة في مختبرات المخابرات.


إن الارهاب قديم جدا، لكن لن نذهب بعيدا اكثر مما فعلته واشنطن في فيتنام وصراع المخابرات هناك، لانها جميعا كانت افعالا ارهابية. ولم ينته الارهاب الا بهزيمة مذلة لواشنطن والقوات المتحالفة معها من دول عدة.
وللتذكير إن الضحايا المدنيين في فيتنام كانوا أكثر من المقاتلين.منذ هزيمة فرنسا الساحقة في فيتنام بمعركة "ديان بيان فو" عام 1954، بدأت واشنطن سياساتها الإرهابية ضد فيتنام بين عمل مخابراتي أو عسكري وصولا لتأسيس قيادة عسكرية عام 1962 وحتى هزيمة بقاياها التاريخية عام 1975.
خلال هذه الفترة كان الحكم في واشنطن بين جمهوري أو ديمقراطي. بمعنى إن فلسفة الارهاب لا تتعلق فقط بالحزب الحاكم بل بفلسفة الدولة الامريكية القائمة على الإرهاب.


 2- ما لم يقله الامير ان مواجهة الاحتلال سواء في فلسطين أو العراق أو الاحواز او انظمة القمع أينما كانت او حكومة ميلشيات كما في العراق ليس ارهابا. كما ما تقوم به منظمة مجاهدي خلق ليس ارهابا بل فعلا من اجل الديمقراطية والمساواة

كيف يتم تصنيف من يقاوم أنظمة بلا انتخابات ولا ديمقراطية ولا حرية بالارهاب؟

3- ما لم يقله الأمير كسؤال: من يحدد هذا الفعل ارهابا، أو ليس بارهاب. حقيقة عدا واشنطن والغرب الاستعماري لا أحد يفعل؟ ولماذا هم من يحدد هذا وفق معاييرهم غير الثابتة الا بكون الارهابي من المسلمين وكون الاسلام مصدر الارهاب؟


 لماذا هم من يقوم بدور تحديد ذلك؟ وفي أحسن الاحوال لماذا الانظمة غير المنتخبة وغير الشرعية من تحدد ذلك وبهذا زجت بمعارضيها في السجون؟ 

ببساطة لان المتضرر الحقيقي من الارهاب هم العرب والدول الإسلامية والدول الفقيرة والشعوب التي تريد حياة كريمة .

4- ما لم يقله الأمير إن انتاج ميلشيات خارج الشرعية من قبل الحكم، كما في العراق او من قبل التحالف العربي في اليمن تهدد أمن وسلامة ووحدة اليمن هي من الافعال الارهابية.

5- ما لم يقله الأمير إن قصف الناتو  2011الذي استهدف ليبيا ودعم كل هذه الجماعات المسلحة فعلا ارهابيا ام لا؟

لأن المطلوب من الأمير الإجابة إن كان دعم جماعات مسلحة ضد حكومة توصف بالدكتاتورية فعلا ارهابيا ام لا؟ ان كذلك فدعمكم للجماعات ضد حكم الراحل القذافي فعلا ارهابيا؟
أو ليس بإرهاب. فاتنم مطالبون بموقف اخلاقي لدعم جماعات اخرى ضد حكم الميلشيات في العراق، والسلطة القمعية في السعودية ومصر وإيران وغيرها.
 ولنفس الأسباب التي يمكن سردها كتبرير للوقوف ضد قيادة القذافي وحكومته يمكن أن نسألكم إن دول جواركم سجونهم عامرة بأصحاب الرأي والمواطنين الذي يعاقبون على امتلاك الحلم والفكر. هل يجوز من هذه الزاوية دعم الجماعات المعارضة بالسلاح؟

نعرف ان دول الغرب هي التي أمرت قطر والإمارات ومجلس التعاون الخليجي وغيرها لشن حرب تدمير ليبيا، كما أمرتهم سابقا لتحطيم العراق. والأن انتم بلا أمن لأنكم ساهمتم ضعفا أو رغبة بتحطيم أهم بلد عربي وقف ضد إيران وأطماعها.

يجب الوقوف بحزم ضد أي سلاح خارج إطار مؤسسات الدولة، لكن المعايير التي تساق للتبرير فيما حدث في ليبيا لا تتصف بالعدالة، بل بالازدواجية. 

بمعنى ان تدخل قطر والإمارات وغيرها في ليبيا مثلا، كان يعبر عن مصالح دول الغرب الاستعماري وليس مصالح الشعوب. 

ولو فتح باب الكفاح المسلح ضد الأنظمة فخطورته في أن يؤمن البعض ان جميع الأنظمة العربية تستحق النضال ضدها بهذه الطريقة. صحيح إن الأنظمة العربية ترتكب الجرائم التي تحط من كرامة الإنسان وتهدد حتى الدولة التي تمثلها إلا إن النضال السلمي تم ممارسته في تونس ومصر واليمن ونقلنا خطوة لكن لم يحقق لغاية الان العدالة والديمقراطية.

وقياسا على تجربة الاحتجاجات التي اسقطت بن علي في تونس بدون سلاح يتضح إنها قادرة على صناعة تغيير بدون سلاح أيضا، وصولا لدولة الديمقراطية والحكم العادل والقضاء المستقل.

خطورة الكفاح المسلح حتى لو توفرت اسبابه، هو تحطيم الدولة وسقوط ضحايا بلا سبب فضلا عن انتهاكات حقوق الإنسان المرافقة لأي عمل مسلح. 

الكفاح المسلح الذي تقوم به جماعات إسلامية الان تحت مسمى الجهاد ضد الحكم المصري ليس في صالح أحد سوى حكم السيسي الدموي. لهذا نشاط هذه الجماعات يوفر الغطاء لاحكام الطوارئ وهو من تحضير مختبرات المخابرات الحربية المصرية.
ولا يهم عدد الضحايا لأن نفس المخابرات كانت تقتل بالمتظاهرين خلال احتجاجات اسقاط حسني مبارك.
ونشاط هذه الجماعة يهدف إلى تمكين وتبرير قوات السيسي من تفريغ سيناء خدمة لمخطط توطين من ستكون هجرتهم من غزة ومناطق اخرى قريبة.
قد فعلها السيسي سابقا وسلم جزر مصرية بخلاف مصلحة الدولة المصرية الى دولة اخرى، ولا يوجد لديه حرج من تسليم اجزاء من سيناء كثمن لبقاءه في السلطة.

قبل سنوات وفي عام 2011  بالتحديد انتصر ابناء مصر وهربت أمامهم قوات النظام في الداخلية وسرق العسكر احتجاجاتهم. لم يكن الثوار من استلم السلطة كان العسكر الفاسد من استلم الاحتجاجات التي تسمى ثورة وحولها لصالحه.

أي ان تجربة النضال السلمي عبر الاحتجاجات قادرة على تحطيم الانظمة الدكتاتورية. رغم ان في مصر واليمن وتونس ارتقى الشهداء فيها، لكن لم يتم تحويل هذا الأمر الى حرب اهلية، إلا في ليبيا حيث بدأ انتقام الغرب وأنظمة الخليج العربي معه. 

وبالتأكيد واجبنا الاخلاقي بلا شك يلزمنا بالتنديد بحصار قطر من أي جهة كانت ولاي سبب كان.بل إننا نؤمن إن حصار أي دولة طالما يضر الشعب هو من الافعال الارهابية وفق معايير اخلاقية.

لا نطلب من الأمير أن يخوض حربا من اجل الحقيقة فنحن نعلم الوقائع ايضا، وان المحافظة على وطن يحتاج الكثير من المناورات واكثر من التنازل بالنسبة لدول ضمن عالم متوحش يتصارع حولها وعليها.

ونعيد التذكير بأن الانظمة لن تخوض معنا نفس المعركة سواء كنا ضمن وصف منظمات مجتمع مدني، او كجهات مناوئة للقمع والامبريالية، او اشخاص مكافحين بشكل مستقل من أجل السلام، ليس بسبب ضعفها فقط وتقلبات السياسة وخداعها، بل بسبب عدم شرعيتها أيضا.

وحقيقة يسمح ضعف الأمم المتحدة (تأسست عام 1945  في مدينة سان فرانسيسكو، كاليفورنيا الأمريكية) كمنظمة لها مصداقية في تقديم الانظمة والدول الكثير من التنازلات للمحافظة على أمنها لصالح الدول الاستعمارية القوية، التي يمكن وصفها بتنازلات غير اخلاقية لاسباب تتعلق بامنها، او غير ذلك.

حين دكت الطائرات الامريكية العراق عام 2003 هذا فعلا ارهابيا، ولغاية الأن تدك الطائرات الامريكية مناطق متفرقة في العراق وسوريا واليمن وباكستان. 

كل ذلك افعال ارهابية ولو تم بموافقة هذه الحكومات التي لا تتصف جميعها بالشرعية. لانها دول بانتخابات مزيفة، وتعبر عن مصالح أنظمة خارجية لا عن دولها وقوة الدبابة. 
عندما تقصف الطائرات الإسرائيلية دول اخرى بحجة وجود اسلحة تهدد اراضيها، وافق الغرب الاستعماري دعما، أو صمتا على معاييرها التي وضعتها حكومة الحرب الدائمة في اسرائيل لنفسها لتتصرف كثاني ارهابي في العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية. ومن الذي اعطاها الحق لتنفذ جرائمها ضد الشعوب بسبب ما تراه خطرا لم يحدث عليها.
حتى ان مجلس الأمن مع كونه اداة ضبط توازن ونفوذ الدول الكبرى أو الاستعمارية لم يصدر أي قرار يجيز لها ذلك، وطبقا للوائح وبنود عمل الامم المتحدة لا يوجد شيء من هذا.
الارهاب ليس الحدث الذي يهدد مصالح الغرب الاستعماري لانها منتجة له، بل هو وسيلة ابتزاز للدول الاخرى، انه تعبير عن صراع النفوذ بين القوى الاستعمارية. وغير ذلك لم نكن نعاني من الارهاب عدا ارهاب اسرائيل الا حين قررت واشنطن ان هناك شيء اسمه الارهاب.

دعنا نذكر بمقالنا السابق

الحرب الامريكية على الاسلام / د.مصطفى سالم

تعليقات